توابيت

منذ 1 شهر 4 يوم 7 د 22 ث / الكاتب houssein choker

 قاعة المعرض تغصُّ بالزائرين من عشاق الفنِّ والمتابعين المهتمين من نقّاد ومبدعين.

الفنّان التشكيلي يرحَّب بالمدعوِّين، قسمات وجهه تشي بهمٍّ ثقيل، فابتسامته تبدو بطيئة ومغتصبة في هذا الزمن.

  الناقد التشكيلي يتمتم:

 -  لمَ كلّ هذا العدد من التوابيت، فواحد منها يكفي لإيصال الرسالة الإنسانيّة الاحتجاجيّة رفضًا لهذا الموت الحاصل الآن ، على كلٍّ سأتوقف عند المحمولات الرمزيّة لكلِّ لوحة منها على حدة، سأبدأ بقراءة الأولى، أي التابوت الأوّل.

 

التابوت في اللوحة الأولى مغطىً بأوراق جرائد قديمة صفر باهتة اللون.

حكّ جبهته، وراح يحلِّل الرسالة القاسية الموجّهة إلى فريق كبير عامل في الصحافة، بل إلى شخص يحتلّ منصباً مهمًّا فيها بالتأكيد، وسرعان ما أخذ يستعيد صوت ذلك

 الشخص الذي صمّ أذنيه عن سماع استغاثة الخارجين من تحت الأبنية المدمرة في القطاع الصغير المحاصر، ولم يبصر شلالات الدم النازف هناك، وبلع لسانه ولم ينبس ببنت شفة استنكاراً للمجازر التي يرتكبها الجيش الذي كان يصنّف بالأقوى "والجيش الذي لا يقهر" والأغرب أنّني رأيته متصدّراً ذلك المنبر الإعلامي، نافجًا حضنيه، عويله مترافق مع عويل مستوطني الكيان بعد تلك العصي التي طاولت كيانهم المغتصب، وأيدي جيشهم الملطَّخة بالدم البريء في غير مكان. مستنكرًا ذلك العمل الرادع المهمّ الذي قذف بعضاً من حمم النار ردّاً على تلك النيران التي تصليها قذائف مدافعه وطائراته وبوارجه، وشتى صنوف آلات القتل والدمار التي يصبّها على رؤوس الناسِ الأبرياء بعد تجويعهم، وتدمير المشافي والمخابز وآبار المياه التي تعينهم على الصمود والتشبّث بالأرض.

- ما هذا؟ التابوت زجاجي فارغ تغطيه أوراق الجرائد. ما الذي يقصده الفنّان بهذا؟ (سأل زائر).

- انظر. المحيطون به يديرون له الأدبار، ويرفعون عبارات مندّدة "مات من زمان"

- ما المقصود بهذه العبارة؟

- أنظر ذلك يرفع صورة ذلك الشخص الصحافي وهو يحمل تابوتًا، المفترض أن تكون جثته داخل التابوت. أمر محيّر. شخص حيّ يحمل تابوته، فما الذي مات فيه إذا؟

- إذا رأى شخص ما هذه المجازر، ولم يحرّك ساكنًا على الرغم من مسؤوليته، فماذا تقول فيه؟ (قال الفنّان متدخِّلًا)

- - أقول: إنّه من دون ضمير

- - أحسنت الإجابة يا عزيزي

-شكرًا لك، وبقي أمر لم نقدر على معرفة دلالته.

- اتقصد أولئك المدبرين؟

- - هذا ما يشغلنا.

- - هل قرأت مسرحيّة "ان جينيه" التي يصوّر فيها جنودًا فرنسيين وهم يودّعون رقيبًا من فصيلتهم أُصيبَ في مواجهة مع الثوَّار في الجزائر؟

- - لا لم نقرأها بعد. منك نستفيد.

- - سأل ضابط الرقيب المحتضر: ألك حاجة نقضيها لك الآن؟

- - أجل.  أريد أن اتنشق نسيم بلدي.

- لك ما تريد الآن. قالوا ذلك وأداروا له الادبار ثمَّ أصدروا ريحًا وهم يردّدون:

- - هذا ريح من بلادنا تنشّقه جيّدًا قبل مغادرتك الحياة في هذه الأرض البعيدة التي نقتل فيها شعبًا يدافع عن أرضه.

- - الآن فهمت (قال الزائر)

- - ما الذي فهمته؟ (قال الناقد)

- -هذا جزاء من يقتل ضميره، ويبقى جثة حيّة من دون ضمير. هذا جزاء من يقفل مجاري سمعه والبصر والكلام عن الجرائم التي يرتكبها جيش محتلّ يغتسل الأبرياء في أرضهم ولا يحرّك قلمه احتجاجًا، وفي الوقت نفسه ينبري باندفاع كبير للتنديد بمن يمدّ يد المساعدة لأولئك الصابرين المحتسبين المتشبثين بأرضهم وبصخرها وشجرها والتراب.

 

 د. علي حجازي