من مزارع شبعا إلى حقل قانا ... جدليّة السيادة والدور الإقليمي

منذ 1 أسبوع 1 س 31 د 55 ث / الكاتب Zainab Chouman

كتب العميد الركن خالد حماده في "اللواء":

يعكس التبايْن بين موقف الأمين العام لحزب الله بالوقوف خلف الدولة اللبنانية في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل والإعراب عن كامل الثقة بالرئيس ميشال عون كمفاوض قُبيل وصول آموس هوكستاين الى لبنان في منتصف شهر أيار المنصرم، وموقفه الأخير بأنّ الحزب ليس طرفاً في المفاوضات الجارية وأنه ينتظر النتائج لاتّخاذ القرار المناسب، حراجة الوضع الذي تعيشه طهران وصعوبة إعادة تحديد دورها في المنطقة في ضوء عدم قدرتها على الإحتفاظ بدور المبادر الذي نجحت في إتقانه في العقديْن المنصرميْن.

الفيديو الذي نشره حزب الله، بالتزامن مع وصول الوسيط الأميركي يوم الأحد المنصرم، والذي يُظهر المنصّة العائمة التي تعمل في حقل كاريش وسفينتيّ الإستخراج والتنقيب مع إحداثيات كلّ منها وبعدها عن الشاطئ اللبناني للدلالة على أنها في مرمى صواريخ الحزب، وقبله إطلاق الحزب لثلاث مسيّرات أسقطها الجيش الإسرائيلي فوق المنطقة المتنازع لا يمكن فهمهما إلا من قَبيل الرغبة الإيرانية بالتأكيد أنّ لا اعتراض لطهران على ما يجري وأنّ القدرات الإيرانية في التأثير على القرار اللبناني موجودة ومعروفة وهي معروضة لفرض القبول وتغطيّته في حال التعثّر.



تعليق الوسيط الأميركي على فيديو حزب الله اتّسم بلامبالاة واضحة، حتى أنّ الطرف الإسرائيلي لم يندفع للبناء عليه كما حصل في واقعة المسيّرات. هذا بالإضافة أنّ حضور رئيسيّ مجلس النواب والحكومة لاجتماع بعبدا لا يمكن تفسيره إلا من قبيل إلزام أركان السلطة في لبنان بمخرجات الإجتماع، وقطع الطريق على أي اعتبارات أخرى من خارج ما تمّ تداوله، فالرئيس بري هو من رعى الإتّفاق الإطار والرئيس عون هو من تمسّك بما ينصّ عليه الدستور بحصريّة التفاوض بشخص رئيس الجمهورية.



من جهة أخرى، يبدو أنّ هناك تلازماً بين ملف الترسيم وملف استجرار الغاز والكهرباء من الأردن ومصر ومسألة خطة النهوض والعلاقة مع البنك الدولي وصندوق النقد، وهناك أسلوب عمل موحّد في الملفات الثلاثة. هذا ما يشير إليه بقوة حضور السفيرة الأميركية دوروثي شيا الإجتماعات مع الوسيط الأميركي، وما أشار إليه الوسيط نفسه خلال اجتماعه بوزير الطاقة حيث رسم خارطة طريق في موضوع استجرار الغاز والكهرباء ـــ الذي أطلقته شيا في وقت سابق ــ مشيراً بوضوح أنّ دعم الإدارة الأميركية مشروط بحصول لبنان على قرض البنك الدولي، بما يعني تطبيق الإصلاحات في قطاع الكهرباء. يُستدل من ذلك أنّ أزمة الكهرباء مستمرة وأنّ لا فرصة لابتكار أيّة مخارج على الطريق اللبنانية وهناك استحالة في الإلتفاف على المقاربة الدولية للوضع اللبناني بشقيّه الإقتصادي أو الكهربائي والنفطي. وتبدو هذه المعادلة وكأنها الإطار الذي سيحكم مناورة السلطة في لبنان ويضع الضوابط لحركتها.



يتّسع الإختلاف بين الولايات المتّحدة وطهران في النظر الى مسألة ترسيم الحدود البحرية في ظلّ حراجة الوضع الأوروبي في موضوع الغاز وتراكم الملفات بوجه الإدارة الأميركية على خلفيّة الحرب في أوكرانيا والمواجهة مع روسيا والصين، وهذا ما لم تستوعبه طهران. ففي حين تضيق المهل المتاحة أمام الولايات المتّحدة للمبادرة واتّخاذ القرارات اللازمة تقارب طهران مسألة الغاز في المتوسط بنفس الأدوات التي اعتادتها في مقاربة ملفات سابقة في اليمن ولبنان والعراق.



تنظر الولايات المتّحدة الى النجاح في مسألة الترسيم ونقل الغاز الى أوروبا كمسألة حيوية ترتبط بها تحسين شروط المواجهة مع روسيا، في حين تنظر إيران الى الموضوع من قبيل تأكيد وزنها كشريك للولايات المتّحدة في المعادلة الإقليمية.

وفي حين تسعى الولايات المتّحدة بعد الترسيم الى تسريع وتيرة استخراج الغاز ونقله الى أوروبا والإمساك بجنوب شرق حوض المتوسط، وربما صياغة شراكات إقليمية إقتصادية وأمنية في ضوء ذلك، تتعثّر طهران في ترتيب الأولويات ما بين تأكيد حضورها النووي عبر إعادة إحياء الإتّفاق ورفع العقوبات عنها للتمكّن من تصدير الغاز واستثمار عائداته لتصدير الثورة وتمويل الميليشيات وترتيب صفقة مع الولايات المتّحدة تبدو مستحيلة في ظلّ التصعيد الإسرائيلي وخروج دول الخليج عن التحالف غير المشروط مع الولايات المتّحدة.

ما ترومه الولايات المتّحدة في هذه الظروف الدقيقة قد لا يتناسب مع الحسابات التقليدية الإيرانية، وبالتالي فإنّ المخرج المطروح أميركياً لن يكون سوى انعكاس لميزان القوى القائم ولحجم وحراجة التهديدات الماثلة على مستوى العالم، وهذا ما سيضع طهران أمام خياريْن أحلاهما مرّ. فإما أن تذهب طهران الى التماهي مع الشروط الأميركية لتجاوز المرحلة الصعبة بالرغم مما ستتعرّض له من انكشاف أمام حلفائها وتبديل أولوياتها وربما المغامرة بمصداقيتها، وهذا ما سينعكس على إنجاز ترسيم الحدود بسلاسة# أو أن تندفع في مغامرة غير محسوبة في ظلّ عدم توفر أُفق آمن لخيارات أخرى.

وفي لبنان، المسؤولون بدورهم أيضاً أمام خياريْن في مسألة الترسيم، فإما اعتماد نموذج شبعا وتحويل مسألة استعادة المزارع من سيادية تتطلب ترسيم الحدود مع سوريا وتحريرها بموجب القرار 224 إلى ورقة إقليمية في الإستخداميَن السوري أو الإيراني، وبالتالي الذهاب في ركُب المغامرة الإيرانية# وإما التفاوض وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية وتحويل مسألة ترسيم الحدود البحرية من ورقة إقليمية الى مسألة سيادية لبنانية ..