بدكن حرق ببنزين!  بقلم جوزف طوق... تستحق القراءة

منذ 2 أسبوع 3 س 59 د 56 ث / الكاتب Zainab Chouman

تحت عنوان: "بدكن حرق ببنزين!"، كتب جوزيف طوق في صحيفة "الجمهورية": 

فخاماتكم، معاليكم، سعاداتكم، سياداتكم، حضراتكم... أصبح الشعب يعلم كم أنتم مشغولون بالاستشارات والتكليفات، وكم تأخذ من وقتكم ملفّات مكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة والأملاك المسلوبة... والشعب يعلم أنكم لا تنامون الليل ولا ترتاحون في النهار من كثرة انكبابكم على إيجاد الحلول التي تنتشل البلد من أزمته الحادة، ومن كثرة انشغالكم بتوقيف الزعران والفاسدين، والبحث عن أفضل الأسماء وأهم الشخصيات لتنضمّ إلى الحكومة الموعودة وتجد المخارج الملائمة لمعاناة الشعب.

وبما أنكم مشغولون إلى هذه الدرجة، فلا شكّ في أنه لا يتسنّى لكم الوقت لمشاهدة التلفزيون أو قراءة الصحف والاطلاع على مواقع التواصل، ولا شكّ أيضاً في أن حسّكم الوطني مرتفع لدرجة انه أبعدكم عن المعاناة اليومية للشعب اللبناني، وأصبحتم موجودين في مكان لا يصل إليه صوت أنّات الأمهات ولا حرقات قلوب الآباء، ولا صريخ الشباب وبكاء الأطفال وحشرجات المسنّين.

وأثناء انشغالكم بحصصكم النيابية والوزارية، وأحجام كتلكم وممثليكم، وحجم قطعة الفساد التي ما زال أمامكم وقت لالتهامها...

أثناء تفانيكم الوطني العابر للطوائف والمناطق، وأثناء التزامكم المقدّس ببناء دولة علمانية غير مديونة وغير مرهونة وغير مغلوب على أمرها، هناك تقريباً 3 أو 4 ملايين مواطن لبناني متردّدون بفتح أبواب منازلهم للجوع الذي يدقّ منذ فترة. نحن حقيقة لا نعلم إذا كنتم، يا مسؤولين، موجودين في مناصبكم وعلى كراسيكم من أجل الشعب اللبناني أو من أجل شعب ثان، لكن رجاءً أخبرونا...

أتعلمون شيئاً؟ لا تخبرونا، فنحن بتنا نعلم أنكم لا تكترثون لا من قريب ولا من بعيد للشعب اللبناني، ولا لمصالحه، ولا لمشاكله وضيقته وعوزه وأزماته ووجعه.

كيف تريدوننا أن نصدّق انكم تكترثون، ما دمتم موجودين في مراكز القرار وتتركون مافيات الصيرفة وكارتيلات المال تتحكّم بسعر صرف الدولار، وتسرق عرق جبين اللبناني المعتّر بـ"يويو" التسعير.

كيف تكترثون، وتسمحون للتجّار بفرض الأسعار التي يريدونها على المواد الأولية والمواد الغذائية واللحوم والدجاج والأسماك والدخان والرزّ والبصل والعدس.

كيف تكترثون، ولا يرفّ لكم جفنٌ لمشهد المواطنين يستعطون البنزين بالغالونات والزجاجات وحتى الكبايات من أمام محطّات الوقود. من المسؤول عن بهدلة أمّهات مع أولادهنّ في سيارات مقطوعة من البنزين في وسط الطريق، أو عن مذلّة ربّ أسرة ذبلت ربطة خبز عشاء أولاده على مقعد سيارته المقطوعة من البنزين أمام المحطة.

كيف تكترثون، وبعد 45 يوماً من التظاهرات الشعبية، وبعد 40 يوماً من ورقة إصلاحاتكم الشهيرة التي وعدتم فيها اللبنانيين بالمنّ والسلوى، لم يتمّ محاسبة حاجب على باب مؤسسة رسمية، ولا حتى تمّ فتح ملفّ قنّ الدجاج في شركة كهرباء لبنان، أو تمّ تعيين قاض نزيه لاستلام الملفّات الدسمة من أجل البتّ فيها... «حطّوا على عين» المواطن بأي شيء، حتى يصدّق أنكم تكترثون.

لكن ما عاد يهمّ إذا كنتم مهتمّين بمستقبل البلد أو لا، طالما أنكم برهنتم عن فقدان الضمير والوجدان وحسّ المسؤولية، وأثبتّم بالأرقام والبراهين والوقائع عن إعاقاتكم السياسية والقيادية، وجهلكم بإدارة شؤون البلاد والعباد.

المشكلة في أزمة البنزين ليست في نقص المادة من خزّانات سياراتنا... المشكلة هي حاجتنا إليها لحرق مملكاتكم الطائفية، وحرق أسس أحزابكم الميليشيوية المجرمة، وحرق أفكاركم التقسيمية، وجهودكم الفتنوية والتخريبية، وحرق إرثكم السياسي المخزي وأدائكم الحالي المثير للشفقة ومستقبل قراراتكم المدمّرة... نريد البنزين ليس لقيادة سياراتنا، بل لحرق فسادكم وتلوّثكم وأمراضكم وجراثيمكم... نريد البنزين لحرق معابدكم السياسية التي يصلّي فيها جهلاء العقل وفاقدو الوطنية والمغرّر بهم... نريد البنزين لحرق دويلاتكم وكانتوناتكم حتى يشعّ نور احتراقها على وطن يليق بشعب بات يمقتكم.