فضل الله: وضع لبنان يستدعي العمل الحثيث لطيِّ صفحة الخلافات والمناكفات بين الأفرقاء السياسيين

منذ 1 سنة 4 شهر 1 أسبوع 20 س 37 د 43 ث / الكاتب مراسل الموقع

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

فضل الله

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نتذكَّر ما جرى في معركة حنين؛ هذه المعركة التي حصلت في العاشر من شهر شوال من العام الثامن للهجرة، بعد فتح مكَّة، يوم تحالفت قبيلتا هوازن وثقيف على مواجهة رسول الله (ص)، فقرَّر التصدّي لهذا الحلف، وجاء إليه بجيش كبير يفوق الجيش الذي قدم به لفتح مكة.

في ذلك اليوم، أُعجب المسلمون بعديدهم وعدتهم، ما دفعهم إلى الاستهانة بالعدو، وعدم التبصّر جيداً بمكائده وخططه، وهو من كان خطّط لهذه المعركة، وكان يراها معركة فاصلة في تاريخ الإسلام.

لقد فوجئ المسلمون باستعدادات العدوّ، وما أعدّه لهم من كمائن وتعزيزات، فولّوا مدبرين، سوى قلة من المؤمنين بقيادة رسول الله (ص) ثبتت وحوَّلت الهزيمة إلى نصر.

يومها، نزلت هذه الآيات على رسول الله (ص)، لتبيّن للمسلمين نقطة الضّعف التي أدت إلى ما حصل لهم، فقالت: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.

لقد أراد الله تعالى أن يحذّر من حالة الاغترار بكثرة العدة والعدد، والغفلة عن التخطيط الدقيق والمدروس، فالنّصر قوامه التخطيط بعد التوكّل على الله والاستناد إليه، وهذا ما نحتاجه لتحقيق الانتصارات في كل الميادين ومواجهة التحديات.

لبنان

والبداية من لبنان، الذي يستمر المجلس النيابي فيه بمناقشة الموازنة، حيث يترقّب اللبنانيون نتائج هذا النقاش، وما إذا كان ممثلوهم في المجلس النيابي سيفون بما وعدوا به، بأنّ العجز في الخزينة لن يسدّ من جيوب الفقراء، ولن يؤثر في النموّ الاقتصادي في البلد.

ارتفاع حدّة السجال

في هذا الوقت، ارتفعت في الأيام الماضية حدة السجال بين أكثر من موقع سياسي، وكادت تودي بالوحدة الداخلية وبكل الإنجازات التي تحقَّقت، بعد أن خرجت من بعدها السياسيّ إلى البعد الطائفي، لولا التصريحات الأخيرة التي ساهمت في تبريد هذه الساحة وتخفيف الاحتقان، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من التواصل.

بعدما كشف ما حصل عن الحاجة إلى إعادة الثقة بين هذه الأطراف وإزالة الهواجس فيما بينها، وخصوصاً أنه ليس هناك من يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والانقضاض على ما توافق عليه اللبنانيون في الطائف.

خطورة

إنَّنا أمام ما يجري، نعيد التأكيد على كلّ القوى السياسية أن تعي خطورة استمرار هذه السجالات، لآثارها وتداعياتها على قوة هذا البلد واستقراره.

ونشدد على أنَّ الظرف الدقيق الذي يعيشه لبنان في هذه المرحلة، يستدعي من الأفرقاء السياسيين العمل الحثيث لطيِّ صفحة الخلافات والمناكفات.

العدو الصهيوني

والتفرغ لعلاج المآزق التي يعانيها البلد، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني، أو في التعامل مع العدو الصهيوني ، الذي يسعى في هذه المرحلة لفرض شروطه فيما يتعلق بالحدود البرية والبحرية، أو فيما يجري على صعيد المنطقة، والذي من الطبيعي أن يترك انعكاساته على الداخل اللبناني.

الحق والقوّة

لقد أكَّدنا ونعيد التأكيد أنّ من حقّ كلّ طائفة أن تكون قوية، وأن تأخذ كامل حقوقها، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب الطوائف أو المذاهب الأخرى.

بل أن تحصل الطوائف والمذاهب كلّها على حقوقها، فشعور أي طائفة أو مذهب بالغبن هو مشروع فتنة حاضرة أو مؤجلة، فلن تسلم طائفة ولا مذهب إن لم يسلم الآخرون.

إنَّ البلد هو أحوج ما يكون إلى الأقوياء، ولكن لا الأقوياء بطوائفهم ومذاهبهم فحسب، بل الأقوياء على مستوى الوطن كله، بكل طوائفه ومذاهبه.

معاناة الجمعيات

في هذا الوقت، برزت إلى الواجهة في الأسبوع الماضي معاناة الجمعيات التي ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة، ما دفع إحدى الجمعيات العاملة في هذا المجال إلى التقليل من تقديماتها والإقفال لاحقاً، وهذا الأمر قد يتكرر في العديد من المؤسسات.

صرخة

إننا أمام هذا الواقع، لا بد من أن نطلق الصرخة أولاً للدولة التي عليها أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة عن هذه الحالات الصعبة، وألا تتنكّر لواجباتها حيال هذا الملف، فهي المسؤولة أولاً وأخيراً عن مواطنيها.

في الوقت الذي ندعو المجتمع إلى القيام بدوره في حماية هذه المؤسسات ودعمها لتستمر بأداء دورها الاجتماعي والإنساني.

الأمن الغذائي

وفي مجال آخر، ليس بعيداً عن هذا المجال، تبرز إلى الواجهة قضية الأمن الغذائي وتساهل الوزارات والجهات المعنية في تمرير الكثير من المنتوجات والمواد الغذائية غير الصالحة، من دون مراقبة صحيّة حقيقية، أو تلك التي يتم غض الطرف عنها بشكل مباشر أو غير مباشر.

مشكلة التلوث

إنَّ بلداً يعاني كلّ هذا التلوث في بحره ونهره، وفيما يتناوله الناس من طعامهم وشرابهم، وما يتنشقونه من هواء، بفعل كل هذه الغازات السامة وأكوام النفايات، ليس غريباً أن يكون في أعلى القائمة على مستوى الأمراض الخطيرة التي تفتك بأهله وناسه. ومن الطبيعي ــ بعد كل ذلك ــ أن يتساءل الناس: من يتحمل المسؤولية؟ وأين هي الدولة التي ينبغي أن تسهر على أمنهم الغذائي والصحي والبيئي وما إلى ذلك.