رسائل أميركيّة - فرنسيّة - خليجيّة إلى لبنان: ضغوط واشنطن لن تتراجع

منذ 2 شهر 1 أسبوع 6 يوم 17 س 40 د 45 ث / الكاتب Zainab Chouman


كتبت هيام القصيفي في الأخبار:

ثلاثة مواقف تبلّغتها المراجع الرسمية في غضون أيام قليلة، صادرة عن الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج وفرنسا، وخلفها دول أوروبية معنيّة بالوضع اللبناني. أبلغت واشنطن عبر دوائرها الدبلوماسية في بيروت وواشنطن، أن لا قرار أميركياً جديداً في شأن لبنان. سبق للإدارة الأميركية أن أبلغت الأمر نفسه قبل مدة، ولم يطرأ أي تغيير عليه، وهي لن تتراجع عن موقفها المتشدّد تجاه حزب الله وأن الكلام عن تهدئة آنية ليس في مكانه، بل هناك ضغط تصاعدي يتعلق بالحزب.

والسؤال عن انعكاس هذا الموقف على الشعب اللبناني برمّته، لا يُقابل إلا بإعادة التأكيد على الموقف ضد حزب الله وأن البديل حكومة جديدة مستقلة عن القوى السياسية كافّة. في موازاة ذلك، جاء الموقف الخليجي، غير المحصور بما عبّرت عنه الكويت وقطر بشأن المساعدة المالية، وقبلهما السعودية، بل إنه تبلور بصورة أكثر وضوحاً لجهة أن أي مبادرة خليجية، مهما كان شكلها وحجمها، لا يمكن أن تتم إلا بالتنسيق مع واشنطن. وحالياً الموقف الأميركي معروف، ولا ضرورة لهذه الدول حتى أن تسأل واشنطن عن إمكان دعم لبنان. وتبعاً لذلك لن تكون هناك أي مساعدة - سواء وُعِد بها لبنان أم لم يوعَد - ما دام المسؤولون عن ملفه في الخارجية الأميركية تحديداً لم يعطوا أي ضوء أخضر. ومن المستغرب أن يتوجه لبنان إلى هذه الدول طلباً للمساعدة، فيما هو يعرف تماماً حقيقة الموقف الأميركي والخليجي منه. أما الموقف الفرنسي الذي بات معروفاً، فقد زاد من حدّته شكل زيارة وزير الخارجية جان ايف لودريان إلى بيروت. المعطى الأساسي بعد اطّلاع فرنسا على المواقف الرسمية للسعودية، ومن ثم لقطر والكويت، أن أي تحرك فرنسي لم يعد طارئاً. يضاف إلى ما تقدّم أن فكّ الاشتباك الذي كان يعوَّل عليه بين واشنطن وحزب الله لم يحصل، رغم ارتفاع منسوب الكلام عن احتمالاته. وتحوّل زيارة لودريان إلى محطة في جولة إقليمية، هدفها إبلاغ المسؤولين في بيروت، وجهاً لوجه، ما سبق أن قاله علناً وما نُقل أيضاً عن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وفحوى الجو الدولي والعربي تجاه لبنان.

والمفارقة في كل ما سبق أن «التبليغات» الثلاثة على حدّتها، قوبلت في لبنان على مستوى رسمي بالتجاهل، ليس من باب رفض هذه الرسائل، مع أن لبنان هو الذي سعى بنفسه إلى طلب الحصول على المساعدة من هذه الدول، بل من باب التقليل من خطورتها. رغم أنه للمرة الأولى تتبلور بهذا الوضوح، وفي فترة زمنية قصيرة، مواقف حاسمة من الأزمة الراهنة. لكن المراجع الرسمية لم تتعامل معها على مستوى خطورتها وجديتها، وسط رهان على أنها موقتة، وأن هناك من لن يسمح بانهيار الوضع اللبناني والمسّ باستقراره. وهذا الأمر يتعمّم حتى على بعض القوى السياسية التي تحاول الإمساك بالأزمة من المكان الذي يلائمها، فتحولها إلى مناسبة للكيدية وتصفية حسابات أمام دوائر دبلوماسية عربية وغربية لغايات محلية صرف، من دون الأخذ في الاعتبار أن متغيرات حقيقية قد حصلت في سياسة هذه الدول بهذا الشكل الصارم، ليس في ما يتعلق بحزب الله فحسب، كموقفَي الرياض وواشنطن، إنما أيضاً في الموضوع المالي والاقتصادي والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وتحميل القوى السياسية كافة مسؤولية ما وصل إليه الوضع السياسي والمالي. فلبنان الرسمي، عهداً وحكومة (وهنا لا يتعلق الأمر بمقاربة حزب الله لهذه الرسائل)، يصرّ على غضّ النظر عن كل المعطيات السياسية المسؤولة عن الأزمة النقدية والاقتصادية، مع علمه بأن «مفتاحها سياسي» أولاً وآخراً، كما يصرّ على التعامل معها سواء في الاتصالات الدولية أو العربية، وكأنها مجرد أزمة مالية محلية تُعالج ببعض ترتيبات مالية من هذه الدولة أو تلك، وعبر هبات وودائع، ستنقذ الوضع، من دون أي اعتبار لما تعرفه هذه الدول من احتمالات تبخّر هذه المساعدات كما تبخّرت سابقاتها، فضلاً عن حقيقة الأزمة المالية والاقتصادية التي تحتاج إلى سنوات لمعالجتها حتى لو توفّر الغطاء السياسي الدولي.

ولم تظهر إدارة الأزمة الداخلية، أمام الدوائر الدبلوماسية والدولية المعنية، بأنها على مستوى ما يفترضه الفقر والجوع اللذان يصيبان المجتمع اللبناني. حتى التعامل مع مفاوضات صندوق النقد الدولي يتم وكأنه تواصل مع أحد الصناديق المحلية الكثيرة. علماً بأن صندوق النقد، حين يتحدث عن أرقام وسياسة عامة، لا يفعل ذلك فقط من تلقاء ذاته، بل إن خلفه مجموعة دولية لها كلمتها في السياسة قبل أي قرار مالي. والمشكلة أن الحكم لا يزال يتعامل مع الرسائل الدولية بالأهمية نفسها التي يتعامل فيها مع خسارة اللبنانيين لأموالهم وأدويتهم وصحتهم وكرامتهم